قراءة في كتاب: أثر مدرسة الحقوق الخديوية في تطوير الدراسات الفقهية (1886 – 1925 م)

ماهر عبد الرحمن

(1)

بجهد واضح أنجز الدكتور محمد إبراهيم طاجن دراسته التي نال بها درجة الماجستير من قسم الشريعة الإسلامية بكلية دار العلوم، جامعة القاهرة، عام 2016، بتقدير “امتياز” مع التوصية بالطبع. وهي توصية تبدو مستحقة بالنظر إلى أهمية موضوع الدراسة وجدّته، لا إلى حجم العمل المبذول فيها فحسب. وتزداد دلالة هذا الجهد إذا علمنا أن الباحث لم يأتِ من خلفية تقليدية في الدراسات الشرعية، إذ يحمل في الأصل ليسانس لغات وترجمة من جامعة الأزهر، قبل أن يتجه لاحقاً إلى دراسة الشريعة ويحصل على دبلوم الدراسات الإسلامية من كلية دار العلوم، من ثم يتقدم برسالته حول تاريخ وأثر “مدرسة الحقوق الخديوية” وأعلامها في تطوير الدراسات الفقهية، وهي بهذا المعنى دراسة تطرق باباً جديداً ومحموداً في التأريخ لهذه المدرسة، ولدورها ودور رموزها في التجديد والإصلاح والتطوير الفقهي والقانوني في مصر.

وقد صدرت هذه الدراسة بعنوان: أثر مدرسة الحقوق الخديوية في تطوير الدراسات الفقهية (1886–1925م) عن مركز نهوض للدراسات والنشر (2020)، ضمن سلسلة اهتمت بتاريخ التفاعل بين القانون والشريعة في مصر الحديثة.

يقع الكتاب في نحو 670 صفحة من القطع الكبير، ويقدّم له المفكر الراحل طارق البشري. ومنذ البداية يواجه البحث صعوبة بنيوية تعود إلى طبيعة موضوعه المتشعّب، إذ يجمع بين التاريخ القانوني والتأريخ المؤسسي ودراسة الأعلام وتحليل جهودهم الفقهية والتشريعية، وهي موضوعات كان يمكن لكل منها أن يستقل بدراسة منفصلة. ومع ذلك، سعى الباحث إلى تغطية هذه المحاور ضمن بنية واحدة، جاءت في تمهيد وخمسة فصول تتناول: نشأة مدرسة الحقوق وسياقها التاريخي، وأعلامها، وجهودهم في المقارنات التشريعية، ودورهم في التنظير الفقهي، ثم إسهامهم في تقنين الفقه الإسلامي وأثر ذلك في تطوير الدراسات الفقهية.

ولا يمكن فهم دعوى “الأثر” التي يناقشها الكتاب دون استحضار السياق القضائي والتشريعي الذي نشأت فيه مدرسة الحقوق الخديوية. فقد ظل القضاء في مصر منذ العصور المملوكية قائماً على المذاهب الأربعة، قبل أن يشهد تراجعاً تدريجياً في أواخر العصر العثماني، انعكس في تذبذب الأحكام واهتزاز الثقة بالقضاء، نتيجة حرية اختيار المدعي للقاضي وفق مذهبه، وحرية القاضي ذاته في الانتقال بين آراء مذهبه بحثاً عمّا يوافق هواه. لذلك ظهرت أحكام مختلفة للقاضي نفسه في المسألة ذاتها، بما أدى إلى زعزعة الثقة بالقضاء. وزاد من تعقيد المشهد نظام الامتيازات الأجنبية الذي منح القناصل سلطة الفصل في منازعات الأجانب وفق قوانينهم، بما انتقص من سيادة القضاء المحلي في بلاد الدولة العثمانية، ومنها مصر.

ومع مطلع القرن التاسع عشر صدرت محاولات إصلاح، منها فرمان 1805 الذي ألزم القضاة والمفتيين باتباع المذهب الحنفي فقط دون المذاهب الأخرى كمحاولة في طريق إصلاح القضاء الشرعي. ثم صدرت فيما بعد لائحة تنظيم المحاكم الشرعية في عهد الخديوي توفيق عام 1880 ونصت في المادة (280) منها على صدور الأحكام طبقاً لأرجح الأقوال في مذهب أبي حنيفة. ورغم كثرة محاولات إصلاح القضاء الشرعي، إلا أنه لم يكتب له النجاح مع ذلك.

غير أن التحول الأبرز جاء مع إنشاء المحاكم المختلطة للفصل في المنازعات التي تقع بين الأجانب وبعضهم البعض أو بين الأجانب والمصريين في عام 1875، لمواجهة العيوب الكثيرة التي صاحبت نظام الامتيازات الأجنبية الذي سمحت به الدولة العثمانية من قبل وقد سمح بذلك وضع مصر الفريد الذي أصبحت عليه منذ توقيع معاهدة لندن عام 1840 حيث أصبحت شبه مستقلة عن الدولة العثمانية. وكلفت الحكومة المصرية محامياً فرنسياً هو الأستاذ مانوري (maunory) لوضع تقنينات تُطبق أمام تلك المحاكم فيما عرف بالتقنينات الستة، وهذه القوانين منقولة عن القوانين الفرنسية. وفي عام 1883 تم إنشاء المحاكم الأهلية على نمط المحاكم المختلطة، وكانت تقضي بنفس القوانين الستة، وترجمها وقتها إلى اللغة العربية يوسف وهبه باشا[1]. وبقي للشريعة الإسلامية دائرة الأحوال الشخصية وبعض المسائل في القانون المدني المتعلقة بالمال كالوقف والحكر والهبة والشفعة والبيع في مرض الموت والغُبن وبعض مسائل البيع والإيجار[2].

هذا الإصلاح لم يكن قاصراً على القضاء والقوانين، بل شمل مجالات كثيرة كان منها التعليم، سواء بإرسال البعثات العلمية، أو بإنشاء مدرسة الألسن عام 1868، والتي تطورت إلى مدرسة الإدارة والألسن عام 1868. إلى أن ظهرت مدرسة الحقوق الخديوية في عام 1886. وكان لهذه المدارس العلمية آثار جليلة ومنها تكوين جيل رائد في مجالات مختلفة، وشكلت نواة لحركة تجديد فكري ومعرفي في كافة المجالات، وفي حدود مقالنا، في تطوير الدراسات الفقهية. ولا تنفصل حركة التجديد الفكري والعلمي عن موجة التغيير التي شملت المجتمع كله منذ مطلع عهد محمد علي؛ فقد جاءت هذه الجهود العلمية خادمة لمشروع التحديث الذي أراده لدولته.

(2)

يمكن – في قراءة الاتجاهات التي تناولت تاريخ القانون والمؤسسات القانونية في مصر، بل تاريخ الحداثة نفسها – التمييز بين تيارين رئيسيين:

تيار مدني ينظر إلى التطور القانوني بوصفه امتداداً لمسار الدولة الحديثة، وتيار أصولي ينطلق من مركزية الشريعة وقدرتها على التجدد. والدراسة التي نعرض لها هنا تنتمي – بمعنى من المعاني – إلى التيار الثاني. واعتبار الزاوية التي ينطلق منها الباحث ليس أمراً هامشياً؛ لأنه يفسّر لنا كيف يمكن أن ينظر بعض الباحثين إلى مدرسة الحقوق بوصفها إحدى أدوات مشروع محمد علي لبناء دولته الحديثة، فيما ينظر آخرون إلى جهودها على أنها دليل على “ثراء الشريعة الإسلامية، وحيويتها، وقدرتها على مواكبة التطورات الاجتماعية اللاحقة”[3]. ويظهر هذا الميل بوضوح في طرح الباحث نفسه، إذ يصرّح في مقدمة أسباب اختياره للموضوع بدوافع تتجاوز الاهتمام التاريخي الخالص، تتمثّل في “توضيح الصورة الحقيقية للشريعة التي نحلم بتطبيقها يوماً من الأيام”[4]، ثم يجعل الهدف العلمي خادماً لهذا التصور، عبر الردّ على “الأفاكين”[5] – بحسب تعبيره – من يرون أن القوانين الحديثة تُغني عن العودة إلى “خزانة الفقه الإسلامي”.

ويسير طارق البشري في تقديمه للدراسة في الاتجاه نفسه، حين يرى أن مدرسة الحقوق – رغم أنها أُنشئت لتوليد فكر تشريعي وافد ذي مرجعية غربية – كانت في الوقت ذاته حاملاً للثقافة الإسلامية السائدة في المجتمع، وأسهمت في تجديد الفقه وإنتاج أجيال من القانونيين الذين حملوا هذا الفقه معهم.

وتبرز هنا إشكالية مشتركة في قراءة كلا الاتجاهين: إذ يتحول البحث العلمي أحياناً إلى أداة لإثبات قناعة مسبقة، لا وسيلة لاختبارها. فالطرفان يتفقان على تشخيص حالة “الجمود” التي سادت، لكنهما يختلفان في تفسيرها: هل هو جمود فقهي يستدعي تجاوز الشريعة؟ أم جمود اجتماعي وسياسي كان يمكن للفقه أن يتجاوزه لو أُعيد تفعيله في سياق مختلف؟ ومع هذا الاختلاف، يظل التعويل – لدى الطرفين – منصبّاً على جهاز الدولة الحديثة، وإن انطلق كل منهما من مرجعية مختلفة.

ويذهب البشري في مقدمته إلى أن ذلك الجمود لم يكن انحطاطاً فقهياً خالصاً، بل انعكاساً لجمود اجتماعي وسياسي، وأن الإصلاحات التي بدأت مع محمد علي وجدت المجتمع في حاجة إلى حركة فكرية تتواكب معها. ولا حاجة هنا إلى تفصيل التعارضات بين بعض أحكام الفقه التقليدي ومبادئ القانون الحديث؛ ويكفي التذكير بأن الدولة الحديثة تقوم على مبدأ الفصل بين السلطات، في حين كان القاضي الشرعي يمثل إرادة الوالي ويحكم باسمه، وهو ما يصعب التوفيق بينه وبين البنية القضائية الحديثة كما تبلورت منذ القرن الثامن عشر عند مفكرين مثل مونتسكيو[6].

ومع ذلك، يُحسب للباحث اختياره دراسة مؤسسة تعليمية كاملة، لا مجرد أعلام مرّوا بها أو تخرّجوا فيها، وهو ما يؤكده أيضاً البشري حين يرى أن دراسة المؤسسات المنتجة للفكر أكثر فاعلية من دراسة الأفراد الذين أنتجتهم تلك المؤسسات[7].

(3)

بهذا المدخل يمكن الانتقال إلى صلب الأطروحة: كيف يبرهن الباحث على أثر مدرسة الحقوق الخديوية في تطوير الدراسات الفقهية؟ وفي أي مجالات وقع هذا الأثر؟ وأيّ نوع من “التطوير” نتحدّث عنه تحديداً؟ ولكي لا نظلم الدراسة ولا نُجمل ما يحتاج تفصيلاً، سأمضي هنا على خطّين متوازيين: عرض لما يقرّره الباحث، وتعقيب نقدي يختبر الأدلة ويضبط نسبة الفضل بين “المؤسسة” كمدرسة، و”الأفراد” الذين تخرّجوا فيها أو درّسوا بها.

أولاً: معنى”الأثر”: بين المؤسسي والفردي، حدود الإسناد

يُصرّح الباحث – في مقدمته وتقسيمه- بأن هدفه لا يقتصر على التعريف التاريخي بالمدرسة، بل بيان إسهامها في ثلاثة مجالات رئيسية: المقارنات التشريعية، والتنظير الفقهي، والتقنين الفقهي. غير أن الدراسة تعترف – في أكثر من موضع – بندرة المادة الوثائقية المباشرة عن تاريخ المدرسة الداخلي، كالمناهج والمحاضرات والسجلات التعليمية، واعتمادها بدرجة أكبر على إنتاج الأعلام أكثر مما وقع على أرشيفٍ مؤسسي منتظم. وهذه نقطة قيمة وتُحسب للباحث بوصفها إقراراً بمنطقة نقص؛ لكنها، في الوقت نفسه، تدعو إلى التحفّظ عند نسبة النتائج إلى “المدرسة” ككيان مؤسسي، بينما تستند مادتها الفعلية إلى أعمال أفراد تزامنوا معها. فنحن هنا أقرب إلى رصد أثر شبكة من الفاعلين تشكّلوا في زمن المدرسة، لا أثر جهاز مؤسسي متكامل ذي سياسات علمية واضحة.

ثانياً: في المقارنات التشريعية

يضع المؤلف هذا الحقل في مقدمة ما قدّمته المدرسة: انفتاحٌ على المناهج الغربية، معرفةٌ باللغات، تَمثّلٌ لطرائق المقارنة بين الأنظمة، وصياغةٌ فقهية أشدّ التحاماً بلغة القانون الحديث. هذا عرض منصف؛ فجيلٌ واسعٌ من خرّيجي الحقوق – وبعض أساتذتها – امتلك بالفعل أدوات المقارنة، وأحسن النقل من الفرنسية خصوصاً، وأسهم في تعميم اللغة القانونية في الكتابة الفقهية. غير أن المسافة بين “اكتساب الأداة” و”تحويلها إلى مدرسة فكرية” تحتاج أدلة أمتن: سجلات مقررات، خطط تدريس، مذكرات طلابية، أو محاضرات منشورة تُظهر كيف صارت “المقارنة” جزءاً بنيوياً من تكوين الدرس الفقهي في المدرسة نفسها، لا مجرد مهارة مارسها أفرادها خارجها. واللافت أنّ المؤلف يسند هذا الحقل – غالباً – إلى إنتاج الأعلام أكثر من إسناده إلى بنية مؤسسية واضحة.

ثالثاً: في “التنظير الفقهي” وحدود التوصيف

يُعرِّف الباحث “التنظير الفقهي” تعريفاً قريباً من تعريفاتٍ معروفة في الأدبيات الحديثة (منها تعريفات مصطفى الزرقا لاحقاً)، ويُلحق به جهوداً من قبيل إعادة بناء المسائل على نسقٍ أصولي، وتهذيب المصطلح، وتكييف النوازل بمنطقٍ قانوني معاصر. على مستوى العرض، لا خلاف على أن بعض الأعلام كتبوا نصوصاً أقرب إلى “المقال النظري” منها إلى محض الشروح؛ لكن النقد هنا يتجه إلى معيار الإدراج: هل كل معالجةٍ حديثة لمسألةٍ فقهية – بلغة قانونيةٍ منضبطة – تُعدّ “تنظيراً”؟ أم أن التنظير، بالمعنى الصارم، يقتضي تأسيس مبادئ، أو تعديل أدوات الاستدلال، أو كشف قواعد كليّة تُعيد ترتيب مساحاتٍ من الخطاب الفقهي؟ وباعتماد هذا المعيار الصارم، يتقلّص عدد الأمثلة التي يمكن اعتبارها تنظيراً حقيقيًا، ويغدو كثير مما عُد تنظيرًا أقرب إلى إعادة الصياغة أو التهذيب منه إلى البناء النظري. ليس في ذلك ما يُنقص من القيمة العملية لما كُتب، لكنه يُعين على ضبط المصطلحات كي لا تتسع حتى تفقد حدّها.

رابعاً: التقنين الفقهي بين التمهيدوالإنجاز

أما فيما يتعلق بإسهام المدرسة في مسار التقنين يقدّم الباحث حقل التقنين الفقهي بوصفه ثمرةً بارزة لمدرسة الحقوق؛ إذ أسهم أعلامها في دفع اتجاهات التقنين وإعداد أذهان القضاة والدارسين لتلقّي صيغة “المادة القانونية” بدل صيغة “المسألة” في كتب الفقه. من حيث المبدأ، هذا تحليل مقنع: توطينُ المفاهيم القانونية الحديثة في بيئة الدرس الفقهي كان عملاً شاقاً ومطوّلاً، ومن العدل أن يُذكر فيه دور رجال القانون المتشبّعين بالتراث. غير أنّ أبرز إنجازات التقنين الكبرى في مصر جاءت لاحقاً، بعد الفترة التي يغطيها الكتاب. فالقانون المدني لم يصدر إلا عام 1948، وقانون العقوبات عام 1937، بينما اقتصرت الحقبة موضوع الدراسة على جهود تمهيدية: صياغات جزئية، ومحاولات توفيقية، ولغة قانونية كانت في طور التشكل. لذا، يصبح الإنصاف أن نقول إن المدرسة مهّدت لروح التقنين في بعض البيئات، أكثر مما أنجزت التقنين بوصفه مشروعاً مكتملاً في تلك الفترة؛ وهذه صياغة لا تُضعف الدور بقدر ما تمنع تضخيمه.

خامساً: دائرة الأعلام واتساع معيار الإدراج

يستعرض الباحث طيفاً عريضاً من الأسماء: فقهاء تقليديون، قضاة شرعيون، رجال قانون، واقتصاديون، ومؤرخون قانونيون؛ ويجري – في بعض المواضع – التوسيع حتى يغدو الانتماء الزمني أو المهنة القانونية كافياً لضمّ الاسم إلى “أعلام مدرسة الحقوق”. هذا التوسيع يفضي إلى مفارقة منهجية: فكلما اتسعت دائرة الأعلام، قلّ وضوح الخيط الجامع بينها، وازداد الخلط بين الأثر المؤسسي والأثر الفردي. المعالجة الأدق قد تقتضي تقسيم الأعلام إلى دوائر: دائرة أساس (أساتذة المدرسة ومن صاغوا مناهجها وتقاليدها)، ودائرة تأثير (من تخرّجوا فيها وواصلوا في الحقول الثلاثة المذكورة)، ودائرة تقاطع (أسماء أثّرت في أفق البيئة القانونية زمن المدرسة دون صلةٍ تنظيمية وثيقة بها). هذا التفريق يجنّبنا خلطاً منهجياً بين الأثر المؤسسي والأثر الشبكي.

سادساً: تدويل خطاب الفقه

يميل الباحث – في بعض العروض – إلى تصوير المدرسة بوصفها بوابةً عريضة لتقديم الفقه إلى العالم، مع الإشارة إلى أسماءٍ أوروبية شهيرة في القانون المقارن، وإلى سياقاتٍ دولية مثل مؤتمر لاهاي للقانون المقارن، حيث “وصل” الفقه عبر أعلام المدرسة. هذه رواية متداولة وجذّابة، ولها أصل في التبادلات العلمية في مطالع القرن العشرين، لكنّها – منهجياً – تحتاج تمييزاً بين أثرٍ تمثيلي (عرض صورٍ من النظام الإسلامي على منصّاتٍ دولية) وأثرٍ بنيوي (تحويل ذلك العرض إلى حضورٍ دائم داخل بنية المقارنة القانونية العالمية). من حق الدراسة أن تُثبت الأولى، لكن الثانية لا تُستمد إلا من أرشيفٍ كثيفٍ من المشاركات المؤسسية والمداولات والمصادر الأجنبية التي تُصرّح باعتمادٍ منهجيٍّ على ما قدّمه أولئك الأعلام، وهو ما لا يكفي فيه الاستشهاد الإنشائي وحده. هنا أيضاً تتقاطع الملاحظة المنهجية السابقة: ما يستند إليه المؤلف في هذا الباب كثيراً ما يأتي من السرديات الاحتفائية المرتبطة بأسماء بعينها، لا من وثائق مؤسسية متماسكة تُظهر البرنامج الذي سارت عليه المدرسة.

سابعاً: القيمة العلمية للدراسة

يبقى أن أقوى ما في أطروحة الكتاب أمران:

تثبيت صورةٍ مُقنعة لولادة “لغة فقهية قانونية” في مصر الحديثة، كانت مدرسة الحقوق جزءاً مؤثّراً في تشكّلها عبر ما وفّرته من أدوات التعبير القانوني الحديث، ومنطق الموازنة بين النُّظم، وشجاعة الانتقال من “صِيَغ المسائل” إلى “صِيَغ المواد”. هذا لبٌّ لا يصحّ الاستهانة به، وهو يفسر كيف خرجت من تلك البيئة كتاباتٌ كان لها أثرٌ ملحوظٌ – لاحقاً – في الجامعات ومعاهد الدرس الشرعي. 

إزاحة مركز الثقل من “الفقيه الفرد” إلى “المؤسسة” – ولو على مستوى النية البحثية – وهو توجّه محمود، حتى لو لم يمتلك الباحث دوماً ما يكفي من الوثائق لإحكام البرهنة المؤسسية. لقد فتح هذا التوجّه باباً لأسئلةٍ لاحقة: أين مناهج المدرسة المكتوبة؟ ماذا عن سجلات المحاضرات؟ كيف تغيرت المقررات عبر العقود؟ ما حجم الحضور الفقهي في الدروس مقارنةً بالحضور القانوني المحض؟ تلك أسئلة تستحق متابعة أرشيفية تُكمل ما بدأه البحث.

الخلاصة

في ضوء ما سبق، تتشكل صورة مركّبة لدور المدرسة وأثرها، تشكّل عبر تفاعل جهود الأفراد مع سياق الدولة ومشروعاتها القانونية. وقد تميل الدراسة أحياناً إلى تعميم إنجازات فردية باعتبارها توجهاً عاماً، بينما تعكس كثير منها ديناميات المرحلة التاريخية أكثر مما تعكس سياسة تعليمية واضحة. ومع ذلك، فإن أهم ما تُسجّله الدراسة هو إبراز الولادة التدريجية للغة فقهية قانونية هجينة، لم تعد تكتفي بالمصطلح التراثي ولا تنحل كلياً في بنية القانون الوضعي، وهي اللغة التي ستصبح لاحقاً أساس العلاقة بين كليات الحقوق والتراث الفقهي، بما يفسر موقع مدرسة الحقوق الخديوية بوصفها جزءاً من مشروع الدولة الحديثة أكثر منها مشروعاً فقهياً مقصوداً لذاته، إذ أسهمت في تهيئة البيئة التي أُعيد فيها تقديم الفقه بلغة أقرب إلى عقل الدولة الحديثة.


[1]– عباس قاسم مهدي: الاجتهاد القضائي، مفهومه – حالاته – نطاقه، الطبعة الأولى 2015، ص 260. المركز القومي للإصدارات القانونية.

[2] – عبد الرزاق السنهوري: علم أصول القانون، 1936، ص 70. مطبعة فتح الله الياس نوري وأولاده بمصر.

[3] – محمد إبراهيم طاجن: أثر مدرسة الحقوق الخديوية في تطوير الدراسات الفقهية (1886-1925)، الطبعة الأولى 2020، ص 41. مركز نهوض للدراسات والنشر.

[4] – المرجع السابق، ص 40.

[5] – نفسه، ص 41.

[6] – مبدأ الفصل بين السلطات مفهوم تاريخي نشأ في سياق مؤسسي حديث، الأمر الذي يستدعي الحذر عند البحث عن نظائر له في نظم فكرية سابقة، تفادياً لإسقاط مفاهيم لاحقة على سياقات لم تتشكل ضمن شروطها.

[7] – محمد إبراهيم طاجن: أثر مدرسة الحقوق الخديوية في تطوير الدراسات الفقهية (1886-1925)، مرجع سابق، ص 27.