القانون والسياسة والدولة: قرابة قديمة وانفصال لم يكتمل

ماهر عبد الرحمن

أستاذ وصديق عزيز كتب بوستًا مهمًا عن العلاقة التاريخية بين القانون العام والعلوم السياسية في فرنسا، ثم استقلال العلوم السياسية لاحقًا، والمعارك المنهجية التي صاحبت هذا الاستقلال.

والحقيقة أن كلامه شجعني على الرجوع خطوة إلى الوراء قليلًا: لماذا نشأت هذه العلاقة الوثيقة أصلًا بين العلوم السياسية والقانون العام تحديدًا؟ وقبل ذلك، من أين جاء تقسيم القانون نفسه إلى عام وخاص؟ وهل التمييز بينهما واضح ودقيق فعلًا كما قد توحي شهرته واستقرار الفقه القانوني على استخدامه؟

في البداية، الأصل الشهير للتفرقة يعود إلى القانون الروماني، وربما بالتحديد إلى العبارة المنسوبة إلى الفقيه أولبيان في مدونة جستنيان (Digest 1.1.1.2)، حيث يميز بين القانون العام المتعلق بأحوال الدولة الرومانية (ad statum rei Romanae spectat) والقانون الخاص المتعلق بمنفعة الأفراد (ad singulorum utilitatem).

وإلى هنا يبدو الأمر بسيطًا: الدولة والسلطة وتنظيم المؤسسات السياسية في ناحية، والعلاقات بين الأفراد في ناحية أخرى. ولذلك يبدو أيضًا مفهومًا لماذا وجدت دراسة السياسة بيتها الطبيعي، في الجامعات الأوروبية، وخصوصًا الفرنسية، داخل القانون العام لا القانون الخاص.

لكن، وحتى لا نمر على نقطة العام والخاص دون فائدة، تبدأ المشكلة فور محاولة تحويل هذه التفرقة البسيطة إلى معيار قانوني منضبط. هل القانون عام لأن أحد أطراف العلاقة هو الدولة؟ ليس دائمًا؛ فالدولة تستطيع أن تتصرف كشخص من أشخاص القانون الخاص، والأمثلة كثيرة على ذلك، كأن تبرم عقودًا مدنية أو تجارية لا تظهر فيها بصفتها صاحبة امتيازات سلطة عامة.

وهل هو عام لأن الغاية منه تحقيق المصلحة العامة؟ يصعب أيضًا الاطمئنان إلى ذلك؛ لأن قطاعات واسعة من القانون الخاص تحقق مصالح عامة واضحة، كما أن فكرة “المصلحة العامة” نفسها ليست شيئًا يمكن تعريفه خارج السياسة والمجتمع. وهل المعيار هو امتلاك أحد الأطراف امتيازات السلطة العامة وعدم وجوده على قدم المساواة مع الطرف الآخر؟ هذا معيار أكثر دقة في حالات كثيرة، لكنه بدوره لا يحل جميع الحالات التي يصعب تصنيفها وتقع في منطقة رمادية.

أي أن أشهر تقسيم في القانون ربما يكون، في الوقت نفسه، واحدًا من أصعب تقسيماته حين نحاول وضع معيار دقيق له نريد أن نركن إليه.

كده خلاص اعتبروا الملاحظة الفنية الاستطرادية للتفرقة بين القانون العام والخاص انتهت 😄. نعود بقى إلى الموضوع الأساسي، وهو العلاقة القديمة بين القانون العام والعلوم السياسية. وأنا أكتب هنا باعتباري قارئًا عامًا في تاريخ العلوم السياسية، وإن كنت في الأصل من دارسي القانون.

السياسة لم تدخل القانون العام مصادفة؛ فموضوع القانون العام نفسه كان الدولة: تكوينها، ومؤسساتها، وسلطاتها، وشرعية أفعالها وحدودها، وعلاقتها بالأفراد. وكان أستاذ القانون الدستوري يستطيع، دون أن يشعر بأنه غادر تخصصه، أن ينتقل من النص الدستوري إلى النظام السياسي، ومن المؤسسات إلى الأحزاب والانتخابات والممارسة السياسية.

لكن هذه العلاقة نفسها لها تاريخ، ولم يكن القانون الدستوري منذ البداية مستقرًا في الجامعة الفرنسية في الصورة التي نعرفها اليوم. ففي عام 1834 أُنشئ في كلية الحقوق بباريس كرسي للقانون الدستوري، وتولاه الفقيه الإيطالي بيلليغرينو روسي، وسط مقاومة لم تكن منفصلة عن الطابع السياسي للمادة الجديدة وعن هيمنة القانون الخاص على كليات الحقوق آنذاك. ثم توقف تدريس القانون الدستوري في باريس عام 1852، قبل أن يعود تدريجيًا في ظل الجمهورية الثالثة؛ فأُنشئ له كرسي من جديد عام 1879، وبدأ تعميم تدريسه منذ 1882، ثم جاءت إصلاحات 1889 لتجعله مقررًا إلزاميًا في دراسة الليسانس في الحقوق.

ومع هذا الترسخ، وخصوصًا منذ العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، لم يعد القانون الدستوري مجرد شرح للنصوص الدستورية، بل اتسع شيئًا فشيئًا إلى دراسة المؤسسات والنظم السياسية، واستعان بالتاريخ والمقارنة، فنشأت داخله مساحة واسعة لأسئلة ستصبح لاحقًا من صميم العلوم السياسية.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم كيف صار القانون العام، والقانون الدستوري خصوصًا، أحد أهم الأطر الأكاديمية التي تطورت داخلها دراسة السياسة في الجامعة الفرنسية، من دون أن يعني ذلك أنه كان حاضنتها الوحيدة؛ فقد نشأ بالتوازي طريق آخر خارج كليات الحقوق، كان من أبرز محطاته تأسيس المدرسة الحرة للعلوم السياسية (École libre des sciences politiques) سنة 1872.

وربما لم تكن العلاقة بين العلوم السياسية والقانون العام ناتجة فقط عن كون موضوعهما المشترك هو الدولة، بل أيضًا عن طبيعة الدولة الحديثة نفسها. فقبل تبلور العلوم الاجتماعية الحديثة واستقلالها في القرن التاسع عشر، احتل القانون موقعًا مركزيًا في اللغة التي جرى من خلالها تصور الدولة وفهمها: السيادة، والاختصاص، والشخصية المعنوية، والشرعية، والسلطة.

أي إن “الدولة” لم تكن مجرد واقع سياسي يدرسه القانون من الخارج، بل كانت، إلى حد بعيد، تُبنى وتُفهم من خلال مفاهيم قانونية. لذلك لم يكن القانون العام مجرد إحدى الحواضن المؤسسية للعلوم السياسية الناشئة، بل إن كثيرًا من المفاهيم التي بدأت بها العلوم السياسية جاءت أصلًا من القانون العام.

ولهذا لم يكن غريبًا أن يكون عددٌ من كبار علماء السياسة الفرنسيين في النصف الأول من القرن العشرين وما بعده قادمين من القانون العام والقانون الدستوري. لكن استقلال العلوم السياسية عنه لم يقع في لحظة واحدة، ولا يمكن اختزاله في معارك السبعينيات وحدها؛ فقد كان مسارًا تدريجيًا نحو الاستقلال أكاديميًا وفكريًا.

بعد الحرب العالمية الثانية، سنة 1945، أُنشئت المؤسسة الوطنية للعلوم السياسية (Fondation nationale des sciences politiques) ومعاهد الدراسات السياسية، ثم تأسست الجمعية الفرنسية للعلوم السياسية سنة 1949، وصدرت المجلة الفرنسية للعلوم السياسية (Revue française de science politique) سنة 1951. وفي الخمسينيات دخلت العلوم السياسية رسميًا بصورة أوسع إلى مناهج كليات الحقوق، قبل أن يشكل إنشاء مسابقة أستاذية مستقلة لها (agrégation de science politique) سنة 1971 محطة مهمة في استقلالها الأكاديمي عن القانون العام.

ومن ثم، لم تكن تحولات السبعينيات بداية استقلال العلوم السياسية عن القانون، بقدر ما كانت معركة حول طبيعة العلوم السياسية نفسها والمناهج التي ينبغي أن تعتمد عليها، بعد أن كانت قد قطعت بالفعل شوطًا مهمًا في استقلالها الأكاديمي.

ولم يكن هذا الانفصال مجرد إعادة ترتيب إداري لتخصص جامعي جديد، بل كان أيضًا خلافًا حول سؤال أعمق: هل يمكن فهم السلطة السياسية انطلاقًا من القواعد والمؤسسات القانونية التي تنظمها، أم أن القانون، إذا اقتصرنا عليه، لا يرينا إلا الصورة الرسمية للسلطة، بينما توجد السياسة أيضًا في المجتمع والطبقات والجماعات والمصالح والممارسات وشبكات القوة التي قد لا يقول عنها النص القانوني شيئًا؟

ومن هنا، في ظني، نفهم بصورة أفضل لماذا كان الانفصال عن القانون العام ضروريًا، ولماذا كانت له في الوقت نفسه كلفة. فالعلوم السياسية ربحت باستقلالها قدرة أوسع على دراسة السلطة كما تُمارَس، لا كما تصفها النصوص القانونية فقط؛ لكن السؤال الذي ظل مفتوحًا هو: ماذا ينبغي أن يحل محل القانون بوصفه المرجعية الأساسية للعلوم السياسية؟ علم الاجتماع؟ الفلسفة السياسية وتاريخ الأفكار؟ أم تركيب لا يستغني عن أي منها؟

وهنا نعود إلى النقطة التي بدأ منها صديقنا وأستاذنا، وإلى المعارك التي أشار إليها حول ما الذي ينبغي أن يحل محل القانون في قلب العلوم السياسية. لكن ربما يظل السؤال الأهم ليس ما الذي ينبغي أن يحل محل القانون، وإنما كيف يمكن للعلوم السياسية أن تستفيد منه من دون أن تصبح أسيرة له.

  • تأسيس École libre des sciences politiques كان على يد Émile Boutmy في 1871 وبدأت الدراسة في 1872