حُبلى بالوحوش

الكاتب: تيري إيجلتون
ترجمة: ماهر عبد الرحمن

مراجعة لكتاب “آرثر شوبنهاور: حياة وفكر أعظم متشائم في الفلسفة”، تأليف ديفيد بيثر وودز،
منشورات University of Chicago Press، 2025.
نشرت في مجلة London Review of Books – ديسمبر 2025
المجلد 47 العدد 22

نشرت الترجمة للمرة الأولى في موقع مجلة حكمة بتاريخ 8 يوليو 2026

يحمل اسم آرثر شوبنهاور قدرًا من الطرافة، فـ”آرثر” الاسم البسيط لا ينسجم تمامًا مع “شوبنهاور” الاسم المهيب ثقيل الوقع. وقد كان شوبنهاور نفسه يرى في مثل هذه المفارقات جوهر الفكاهة. كان ميتافيزيقيًا متمرسًا، وفي الوقت نفسه ماديًا فظًا، وفي تنقّله بين الطرفين تتأرجح أعماله، مثل اسمه، على حافة الانحدار من السامي إلى الهابط.

درس الطب في جامعة غوتنغن[2]، لكنه آمن أيضًا بما أسماه “الإرادة”، وهي رغبة عمياء مُلِحّة، تقف خلف كل شيء. ولاحظ وجودها في التثاؤب والعطس، وفي التقيؤ والارتجاف، تمامًا كما لاحظها في أمور أكثر رقيًا، مثل اللاجدوى المطلقة للتاريخ الإنساني. وكما سيُرجِع فرويد لاحقًا الرغبات والأماني الجزئية إلى ظاهرة الرغبة الأكثر جوهرية، كان شوبنهاور يضع حكّ الجِلْد وخوض الحروب في نفس الفئة. فـ”الإرادة” عنده ليست سوى صورة كاريكاتورية كابوسية لعقل هيجل أو روحه، وهي فكرة أشد إيجابية بما لا يُقاس.

أراد شوبنهاور أن يتفوّق على هيجل في عظمته الفكرية، غير أن أعماله اتسمت بمسحة تبسيط ساذج، كما في تصويره للصراع بين الجسد والعقل بالإشارة إلى أن الناس يعجزون عن المشي والكلام في آن واحد. وقد كان ينظر إلى هيجل بوصفه دجالًا من الطراز الرفيع، وفي نوبة من المازوخية اختار أن يُلقي محاضراته في جامعة برلين في التوقيت نفسه لمحاضرات الرجل العظيم، لينتهي به الأمر أمام جمهور لا يتجاوز ثلاثة طلاب.

كان ينظر إلى أعمال معظم الفلاسفة، باستثناء أفلاطون وكانط ونفسه، على أنها مجرد كلام فارغ. وكان سامًّا في طباعه، متغطرسًا، صعب المراس، ويزعم أن الألمان يحتاجون إلى الكلمات الطويلة ليمنحوا عقولهم وقتًا أطول للتفكير. كما كان عدوًا شرسًا للنساء، حتى بمعايير عصره المتسامحة، وقد حمل امرأة ذات مرة وألقى بها بعنف على الأرض، متسببًا لها في أذى دائم. وكان ينظر إلى النسوية بوصفها “هراءً نسائيًا”، ويؤيد تعدد الزوجات.

أخبرته أمه أنه مزعج ومتسلط وغير ذي شأن، وهو ما يدفع المرء للتساؤل عمّا كان أعداؤه يرونه فيه. وكان، فوق ذلك، لا عقلانيًا صرفًا، يرى في العقل أداة غليظة في يد الإرادة. فكل وعي إنساني، في نظره، ليس سوى وعي زائف، رفض مرضي لرؤية الأشياء على حقيقتها. والعالم بأسره، عنده، ليس إلا تجسيدًا خارجيًا هائلًا لشغف عقيم، وهو الشيء الحقيقي الوحيد.

كان شوبنهاور أسير هوس واحد بفكرته الكبرى عن “الإرادة”، وهذا الافتقار إلى التعقيد هو ما يجعل فكره قابلًا لمثل هذه القراءات التبسيطية. يكتب ديفيد باثر وودز بأسلوب مُتعمَّد ألّا يكون مُرهِبًا، آخذًا القارئ عبر المراحل المختلفة من حياة شوبنهاور قليلة الأحداث.

وُلد في دانزيغ عام 1788، وزار لندن في سنوات مراهقته، حيث حرص على المرور بمصحة بيدلام[3]، وشهد ثلاث عمليات إعدام علنية في سجن نيوجيت. وبحلول سن السابعة عشرة كان مقتنعًا بالفعل بأن مصير البشرية هو المعاناة. وبعد تدريبه الطبي في غوتنغن، ما لبث أن حصل على وظيفة محاضر في برلين، قبل أن ينتقل إلى فرانكفورت، حيث تأكدت نظرته الكئيبة إلى البشر حين لم يفز بجائزة مقال مرموقة رغم أنه كان المشارك الوحيد فيها.

وعندما اندلعت اشتباكات الشوارع في فرانكفورت عام 1848، العام الأسطوري للانتفاضات السياسية في أوروبا[4]، سمح للجنود النمساويين المناهضين للثورة بالاحتماء في شقته. وكان يؤيد الملكية الوراثية، ويمقت أي تغيير اجتماعي جذري. أما الشهرة التي طالما راوغته، فقد أقبلت عليه في سنواته الأخيرة. وتوفي عام 1860، واثقًا من أن كتابه عن “الإرادة” سيواصل شغل عقول المفكّرين لقرون مقبلة.

يميل كتاب وودز إلى التركيز على الحياة أكثر من الفكر، وهو ميل شائع دائمًا لهذا النوع من الكتب. لا يستطيع الكثير من القراء العاديين فهم تعقيدات المثالية الألمانية، لكن الجميع يعرف معنى أن يموت كلب بودل أبيض يُدعى “أتما”، ثم يُستبدل بكلب بودل بني يحمل الاسم نفسه، كما فعل شوبنهاور عام 1849 (وكان عمومًا يفضّل الكلاب على البشر، رغم أنهم جميعًا، في نظره، كانوا تجليات للإرادة القاسية).

ويزخر كتاب وودز ببعض العبارات النمطية في كتابة السير الذاتية: “في شبابه، كانت خصلات شعر مجعدة بلون أشقر رمادي تتدلى على جبين شوبنهاور”، وكان فمه “ممتلئًا وجميلًا”. والمفارقة الكبرى في السيرة الأدبية والفكرية، وهي نوع أدبي محبوب لدى البريطانيين، هي أننا لن نهتم كثيرًا بالمادة السيرية لولا ما قد تُلقيه من ضوءٍ على أعمال المؤلف، ومع ذلك، غالبًا ما تفشل هذه السير في إبراز العمل، بل تشغل مساحة كان الأولى أن تُكرَّس لمناقشته.

لطالما حاز شوبنهاور على لقب أكثر الفلاسفة كآبةً في التاريخ، فهو لا يرى الوجود الإنساني مأساةً عظيمة، بل مهزلةً بائسة، يتلوى فيها الرجال والنساء في قبضة شهوات لا غاية لها ولا تُشبَع، ودافعهم الرئيسي إلى التجمّع هو الخوف من الملل. ويكتب عن “هذا العالم من الكائنات التي لا تكف عن الاحتياج، التي لا تلبث أن تواصل وجودها لبعض الوقت بمجرد التهام بعضها بعضًا، وتقضي وجودها في قلق وحاجة، وغالبًا ما تعاني من مصائب فظيعة، إلى أن تسقط أخيرًا في أحضان الموت”[5].

لا غاية سامية في “ساحة معركة من البشر المعذَّبين والمكروبين”، بل “إشباع لحظي، ولذّة عابرة… صراع دائم، حرب الجميع ضد الجميع، كلّ شيء صائد، وكلّ شيء فريسة”. ولم يكن ثمة ما هو أوضح لدى شوبنهاور من أن العالم كان سيكون خيرًا لو لم يوجد أصلًا، وأن المشروع برمّته كان خطأً فادحًا، وكان يجدر بأي عاقل أن يضع له حدًا منذ زمن طويل.

ومع ذلك، نُشر عمله الرئيسي، “العالم كإرادة وتمثيل“، عام 1818، قرب نهاية حقبة من الأمل الرؤيوي والمثالية الثورية. وكأنه كان يستبق بالفعل تراجع الحظوظ السياسية للطبقات الوسطى الأوروبية، حين أفسحت الانتفاضات المجال للرجعية، والتحرر للقمع.

لم يكن شوبنهاور غافلًا عن هذا التحوّل التاريخي، إذ يكتب: “إن دخول المرء، في سن الخامسة، إلى مصنع لغزل القطن أو أي مصنع آخر”، كما يكتب، “ثم الجلوس فيه كل يوم أولًا عشر ساعات، فاثنتي عشرة، وأخيرًا أربع عشرة ساعة، لأداء العمل الميكانيكي نفسه، لهو ثمن فادح مقابل مجرد التنفّس”. وقد جاء هو نفسه من سلالة طويلة من تجّار الشحن الهانزيين[6]، وتدرّب في تجارة العائلة، وعاش على حصة من تركة والده.

اعتبره نيتشه أحد أهم معلميه، فيما رأى فيه فرويد، على نحو يثير الدهشة، واحدًا من أعظم ست شخصيات عرفها التاريخ. وكان فيتجنشتاين من بين قلة من الفلاسفة المحترفين الذين تعاملوا معه بوصفه أكثر من مجرد غريب الأطوار، وربما رأى في أعماله نزعة إلى فلسفة مضادة شبيهة بفلسفته.

مع ترسّخ الحداثة في أوائل القرن العشرين، أدرك هذا العدو للعقلانية والتنوير السياسي زمنه أخيرًا. وقد صار شوبنهاور رائجًا مع شيوع المزاج الكئيب. ويدين له كل من كونراد وكافكا وبيكيت وبورخيس بالكثير. وكانت روايته الإنجليزية المفضلة “تريسترام شاندي”[7]، التي، شأنها شأن رؤيته للتاريخ البشري، ليست سوى فوضى عارمة من البداية إلى النهاية.

وكما يشير وودز، وجدت مدرسة فرانكفورت في شوبنهاور أهمية متجددة في ظل أوشفيتز[8]، فقد فضّل مفكرون مثل أدورنو وهوركهايمر دائمًا اليأس الصادق على المثالية الزائفة.

لا يتعمق وودز كثيرًا في “العالم كإرادة وتمثيل”، وهو العمل الذي لولاه لكان اسم شوبنهاور قد اختفى على الأرجح من السجلّ التاريخي. ومهما يكن الرأي في تذمّره الدائم ومواعظه ذات الطابع الشعبي، فإن في قلب الكتاب رعبًا أقرب إلى الخيال العلمي، سيغدو سمة بارزة من سمات الفكر الحديث.

ففي جوهر الذات شيءٌ ما، هو الإرادة، يختلف عنها على نحوٍ عنيد، ثِقَلٌ خامل لا يُحتمل من العبث، كما لو كنا جميعًا حُبلى بالوحوش. وما يجعلني ما أنا عليه لا يُبالي إطلاقًا بهويتي الفردية، بل يستخدمها فحسب لإعادة إنتاج نفسه بلا غاية. وهذه الإرادة، التي هي لبّ وجودي، لا تشبهني في شيء، إذ هي فارغة ومجهولة الهوية كالقوى التي تحرّك الأمواج.

وما هو معيب الآن على نحو لا رجعة فيه هو الذاتية نفسها، لا مجرد انحراف فيها أو اغتراب عنها، بل هي أبعد ما يمكن أن نعدّه ملكًا لنا. نحن نغادر الآن العصر الكانطي للفرد المستقل الذي يصوغ ذاته ويملك مصيره، لندخل عالمًا نصبح فيه لعب في أيد قوى عصيّة على الفهم.

إن فكرة إعطاء صوت لهذه الغيرية حاضرة في معظم الثقافة الحداثية، نجدها في صيغة مخففة لدى د. هـ. لورانس، الذي يرى أننا لا ننتمي لأنفسنا، بل علينا أن ننفتح على القوة الخلّاقة المجهولة التي تتطوّر في داخلنا. وعند ت. س. إليوت، تتخذ هذه القوة هيئة سلطة التقاليد المجردة التي ينبغي للموهبة الفردية أن تسمح لها بالتدفق عبرها. ويخبرنا و. هـ. أودن أننا “نُعاش بقوى نتظاهر بفهمها”، بينما يسعى البنيويون إلى تعقّب حضورها الخفي في بنى الثقافات.

وإذا أصبحت اللغة بطلًا رئيسيًا لدى مفكري القرن العشرين، فلأنها تُجسّد حقيقة أننا نُتحدَّث أكثر مما نَتحدّث. كما أن القوى التي ترسخ الوعي لا تكون حاضرة فيه، كما يحاول فرويد أن يبيّن. إن غموضنا الذاتي ونسياننا لأنفسنا أمران أساسيان لطريقة عملنا؛ فلا فعل ممكن من دونهما، ولا حرية بلا قمع. بمعنى من المعاني، كان حكيم دانزيغ الكئيب على صواب طوال الوقت.

لم يكن شوبنهاور، مع ذلك، عدميًا، إذ يشير وودز إلى اهتمامه بالخبرة الجمالية، وهي من الطرق القليلة التي تمكّننا من الإفلات من قبضة الإرادة النهمة. هناك من يرى الفن تعبيرًا عن الذاتية، أما عند شوبنهاور فهو سبيل للهروب منها. فحين نتلقى عملًا فنيًا، تتلاشى الرغبة، ونغدو، للحظة مباركة، قادرين على رؤية جزء من العالم كما هو حقًا. وفي انتباهنا غير الأناني إلى الموضوع، نكفّ عن أن نكون ذواتًا، فنتحرر من النقص، ومن ثم من الشوق.

يكتب شوبنهاور أن هبة العبقرية ليست أقل من الموضوعية المطلقة، تتلاشى سلاسل السبب والنتيجة المتشابكة التي تُقيّد بها الأشياء، ويُنتزع الموضوع من قبضة الإرادة، ليتاح لنا، للحظة، أن نتذوقه بوصفه مشهدًا خالصًا. ومع انغماس الموضوع في ذاته، تتضاءل الذات إلى حدّ من التجرد يبلغ حدّ إحراقها نفسها. الفن علاج للأنانية. وكما هو الحال مع غريزة الموت عند فرويد، ينبغي للمرء أن يجد متعة في فنائه، عندها فقط تصبح الواقعية ممكنة، ويتحوّل العالم إلى عرضٍ للتأمل المبهج للمتفرّج. وهكذا يُمهَّد الطريق لنيتشه، الذي يعلن في “مولد التراجيديا” أن العالم لا يمكن تبريره إلا جماليًا.

إذن، الفن هو الذي يعالج المشكلات التي كشفت عنها الفلسفة، كما يحدث كثيرًا في العصر الحديث. فمن شيلر وأرنولد إلى نيتشه وباتر، صار الفن أو الثقافة يشغلان المكان الذي كان يحتله الإله، وتغدو الجماليات بديلاً عن اللاهوت. وهكذا يتحوّل نشاط يمارسه عدد ضئيل من الناس إلى وسيلة لإنقاذ الحضارة. وعلى الأقل، يشمل الدين مليارات البشر، مهما كانت قدرته على إحداث تحول اجتماعي موضع شك. أمّا الدور الخلاصي للفن فليس سوى أفيون المثقفين، سرابًا يأبى أن ينقضي: فقد أخبرنا سيمون شاما[9] مؤخرًا على شاشة التلفزيون أن الفن هو المجال الذي يمكن لمجتمع منقسم أن يجد فيه أرضية مشتركة.

غير أن ما يصحّ على الفن يمكن أن يصحّ أيضًا على معاملة المرء للآخرين. فبالنسبة لشوبنهاور لا حلّ للمعاناة، لكن بالاعتراف بأن الأنا الفردية وهم، يمكن للمرء أن يتصرّف إزاء الآخرين بلا تمييز حقيقي، أي ألا يُميّز بينهم وبين نفسه، وبذلك يعاملهم بالتعاطف. وما إن يُدرَك وهم الهوية الفردية حتى يصبح التعاطف الكوني ممكنًا. وهكذا يتمكّن شوبنهاور من أن يستخلص أخلاقًا من تشاؤمه. فالفعل الأخلاقي لا يتم من منظور بعينه، بل من لا منظور على الإطلاق. وليس من السهل تحديد مَن الذي يتعاطف هنا أصلًا.

يتوقف وودز على افتتان شوبنهاور بالثقافة الهندوسية والبوذية، الأمر الذي يميّزه عن فلاسفة القرن التاسع عشر الغربيين. فقد انجذب إلى ما رآه نزعة الزهد في هاتين العقيدتين، وإلى حقيقة أن البوذية كانت تهدف إلى موت الرغبة. إذ رأت الأنا وهمًا، وعلّمت أتباعها العيش بتواضع وبلا طمع وبساطة القديسين. غير أن شوبنهاور نفسه لم يكن يميل إلى هذا التواضع، بل كان يستمتع بإثارة الجدل بنظرته القاتمة إلى التاريخ البشري. وعلى الرغم من أن هذه النظرة كانت أحادية الجانب على نحو لافت، فإنها تحمل قدرًا أوفر من الحقيقة مقارنةً برؤية حكماء العصر الفيكتوري الذين رأوا في التاريخ تقدّمًا مطردًا من الهمجية إلى البورصة. وحتى هيجل المستنير رأى أن صفحات السعادة في السجل الإنساني نادرة. فلم تستطع البشرية قط أن ترسي حالة من العدل والسلام على نطاق واسع ولفترة طويلة. لقد كان التاريخ، مهما حقق من إنجازات رفيعة، ملحمة من الوحشية. وقد يحاول المرء أن يوازن بين هذه الوحشية وتلك النجاحات، لكن من العسير تقدير كم من الإنجازات المدهشة قد يلزم لمعادلة الأربعين مليون قتيل في الغزوات المغولية في القرن الثالث عشر، أو السبعين مليونًا في الحرب العالمية الثانية.

هناك مفكرون، مثل هيجل، يرون أن التاريخ قد انتهى فعلياً، وآخرون، مثل شوبنهاور، لا يهمهم كثيرًا إن كان كذلك أم لا، بالنظر إلى ثبات بؤس الإنسان. لكن هناك أيضًا من يرى، مثل ماركس، أن التاريخ لم يبدأ بعد. ففي نظره، يمكن حصر ما جرى حتى الآن في ردهة ما قبل التاريخ، حيث تتكرر تنويعات السردية الكئيبة للاستغلال. ولا يمكن أن نبدأ التاريخ الفعلي إلا حين يُوضع حدّ لهذا كله، ولا يمكن تحديد ملامح هذا التاريخ سلفًا. وبوصفه يهوديًا علمانيًا، ظل ماركس وفيًا للتحريم اليهودي الذي ينهى عن التنبؤ بالمستقبل، بوصفه محاولة لاستباق إله لا يُمكن حصره.

إلا أنه كان سيجد رواية شوبنهاور للتاريخ خالية تمامًا من الطابع الجدلي. ففي نظره، كان التاريخ الحديث حكاية عن تقدم آسر، إذ أطلق النظام الرأسمالي قوى الإنتاج وولّد ثروة هائلة ينبغي أن تُشاع بين الجميع. كما مهّد الطريق للحرية الفردية والاستقلال الذاتي، ولليبرالية والديمقراطية، وللتسامح والحقوق المدنية، ولتفكيك الحواجز التقليدية، ووضع الأسس لمجتمع عالمي. غير أن كل هذا جاء بثمن يكاد لا يُحتمل: عمل شاق، فقر مدقع، تفاوت صارخ، وموت الروح، إذ لم تعد الحياة غاية في ذاتها، بل أضحت مجرد وسيلة للاكتساب والتراكم. وهذه، في نظر ماركس، ليست قصصًا مختلفة، بل وجهان لعملة واحدة. ومن ثم، فإن إجابته عن سؤال ما إذا كان التاريخ قصة بربرية أم حضارة هي: نعم قاطعة.

المصدر


[1] – المقال قراءة في كتاب “آرثر شوبنهاور: حياة وفكر أعظم متشائم في الفلسفة” لـ David Bather Woods، منشورات University of Chicago Press، 2025.

[2] – المقصود University of Göttingen بألمانيا، والمعروفة أيضًا باسم “جامعة جورج أوغست”.

[3] – هي أقدم مستشفى ومصحة عقلية في لندن، ارتبط اسمها تاريخيًا بصور الجنون والفوضى والظروف اللاإنسانية.

[4] – في إشارة إلى موجة الثورات والانتفاضات التي اجتاحت أوروبا عام 1848، والمعروفة باسم “ربيع الأمم” أو “الربيع الأوروبي”.

[5] – آرثر شوبنهاور: العالم إرادة وتمثيل.

[6] – في إشارة إلى “الرابطة الهانزية” (Hanseatic League)، وهي اتحاد تجاري لمدن ونقابات التجار الألمان، سيطر على التجارة في بحر البلطيق وبحر الشمال خلال العصور الوسطى.

[7] – في إشارة إلى رواية “تريسترام شاندي” للورنس ستيرن، وهي رواية ساخرة تجريبية من القرن الثامن عشر، اشتهرت ببنيتها المتشظية واستطراداتها الخارجة عن السرد التقليدي.

[8] – معسكر الإبادة النازي الأشهر خلال الحرب العالمية الثانية.

[9] – مؤرخ وكاتب بريطاني مختص بتاريخ الفن والثقافة، قدّم عددًا من البرامج الوثائقية التلفزيونية الشهيرة.